محمد بن جرير الطبري
133
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بقضاء الحجة التي حل منها نظير فعل النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في قضائهم عمرتهم التي حلوا منها عام الحديبية من القابل في عام عمرة القضية . ويقال لمن زعم أن الذي حصره عدو إذا حل من إحرامه التطوع فلا قضاء عليه ، وأن المحصر بالعلل عليه القضاء ما العلة التي أوجبت على أحدهما القضاء وأسقطت عن الآخر ، وكلاهما قد حل من إحرام كان عليه إتمامه لولا العلة العائقة ؟ فإن قال : لأَن الآية إنما نزلت في الذي حصره العدو ، فلا يجوز لنا نقل حكمها إلى غير ما نزلت فيه قيل له : قد دفعك عن ذلك جماعة من أهل العلم ، غير أنا نسلم لك ما قلت في ذلك ، فهلا كان حكم المنع بالمرض والإِحصار له حكم المنع بالعدو إذ هما متفقان في المنع من الوصول إلى البيت وإتمام عمل إحرامهما ، وإن اختلفت أسباب منعهما ، فكان أحدهما ممنوعا بعلة في بدنه ، والآخر بمنع مانع ؟ ثم يسأل الفرق بين ذلك من أصل أو قياس ، فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله . وأما الذين قالوا : لا الإِحصار في العمرة ، فإنه يقال لهم : قد علمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صد عن البيت ، وهو محرم بالعمرة ، فحل من إحرامه ؟ فما برهانكم على عدم الإِحصار فيها ؟ أو رأيتم إن قال قائل : لا إحصار في حج ، وإنما فيه فوت ، وعلى الفائت الحج المقام على إحرامه حتى يطوف بالبيت ، ويسعى بين الصفا والمروة ، لأَنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سن في الإِحصار في الحج سنة ؟ فقد قال ذلك جماعة من أئمة الدين . فأما العمرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم سن فيها ما سن ، وأنزل الله تبارك وتعالى في حكمها ما بين من الإِحلال والقضاء الذي فعله صلى الله عليه وسلم ، ففيها الإِحصار دون الحج هل بينها وبينه فرق ؟ ثم يعكس عليه القول في ذلك ، فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله . القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ حلق المحصر قبل إرسال الهدي يعني بذلك جل ثناؤه فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ، ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ؛ إلا أن يضطر إلى حلقه منكم مضطر ، إما لمرض ، وإما لأَذى برأسه ، من هوام أو غيرها ، فيحلق هنا لك للضرورة النازلة به ، وإن لم يبلغ الهدي محله ، فيلزمه بحلاق رأسه وهو كذلك ، فدية من صيام ، أو صدقة ، أو نسك . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ؛ إلا أن يضطر إلى حلقه منكم مضطر ، إما لمرض : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : ما أذى من رأسه ؟ قال : القمل وغيره ، والصدع ، وما كان في رأسه حلق المحصر قبل إرسال الهدي . وقال آخرون : لا يحلق إن أراد أن يفتدي الحج بالنسك أو الإِطعام إلا بعد التكفير ، وإن أراد أن يفتدي بالصوم حلق ثم صام حلق المحصر قبل إرسال الهدي . ذكر من قال ذلك . حدثنا عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ، عن أشعث ، عن الحسن ، قال : حلق المحصر قبل إرسال الهدي إذا كان بالمحرم أذى من رأسه فإنه يحلق حين يبعث بالشاة ، أو يطعم المساكين ، وإن كان صوم حلق ثم صام بعد ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري ، قال : ثنا عبد الله بن نمير ، عن الأَعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، قال : إذا أهل الرجل بالحج فأحصر بعث بما استيسر من الهدي شاة ، فإن عجل قبل أن يبلغ الهدي محله ، فحلق رأسه حلق المحصر قبل إرسال الهدي ، أو مس طيبا أو تداوى ، كان عليه فدية من صيام ، أو صدقة ، أو نسك . قال إبراهيم : فذكرت ذلك ل سعيد بن جبير ، فقال : كذلك قال ابن عباس . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ قال : حلق المحصر قبل إرسال الهدي من أحصر بمرض أو كسر فليرسل بما استيسر من الهدي ، ولا يحلق رأسه ، ولا يحل حتى يوم النحر . فمن كان مريضا ، أو اكتحل ، أو ادهن ، أو تداوى ، أو كان به أذى من رأسه ، فحلق ، ففدية من صيام ، أو صدقة ، أو نسك . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ حلق المحصر قبل إرسال الهدي هذا إذا كان قد بعث بهدية ، ثم احتاج إلى حلق رأسه من مرض ، وإلى طيب ، وإلى ثوب يلبسه ، قميص أو غير ذلك ، فعليه